الشنقيطي

94

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

العلم فيهما فإن كان الحالف حلف على أنّه لم يفعل كذا وكذا ، أو أنّه فعل كذا وكذا عند نفسه صادقا يرى أنّه على ما حلف عليه ، فلا إثم عليه ولا كفّارة عليه في قول مالك وسفيان الثوريّ ، وأصحاب الرأي وكذلك قال أحمد وأبو عبيد ؛ وقال الشافعيّ : لا إثم عليه ، وعليه الكفّارة . قال المروزيّ : وليس قول الشافعيّ في هذا بالقويّ ، قال : وإن كان الحالف على أنّه لم يفعل كذا وكذا ، وقد فعل ، متعمّدا للكذب فهو آثم ، ولا كفّارة عليه في قول عامّة العلماء ؛ مالك ، وسفيان الثوريّ ، وأصحاب الرأي ، وأحمد بن حنبل ، وأبي ثور ، وأبي عبيد . وكان الشافعيّ يقول : يكفّر ؛ قال : وقد روي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي ، قال المروزيّ : أميل إلى قول مالك وأحمد ، ا ه محلّ الغرض من القرطبي بلفظه ، وهو حاصل تحرير المقام في حلف الإنسان « لأفعلنّ » أو « لا أفعل » . وأمّا حلفه على وقوع أمر غير فعله ، أو عدم وقوعه ، كأن يقول : واللّه لقد وقع في الوجود كذا ، أو لم يقع في الوجود كذا ، فإن حلف على ماض أنّه واقع ، وهو يعلم عدم وقوعه متعمّدا الكذب فهي يمين غموس ، وإن كان يعتقد وقوعه فظهر نفيه فهي من يمين اللّغو كما قدمنا ، وإن كان شاكا فهو كالغموس ، وجعله بعضهم من الغموس . وإنّ حلف على مستقبل لا يدري أيقع أم لا ؟ فهو كذلك أيضا يدخل في يمين الغموس ، وأكثر العلماء على أنّ يمين الغموس لا تكفّر لأنّها أعظم إثما من أن تكفّرها كفّارة اليمين . وقد قدّمنا قول الشافعيّ بالكفّارة فيها ، وفيها عند المالكيّة تفصيل ، وهو وجوب الكفّارة في غير المتعلّقة بالزمن الماضي منها ، واعلم أن اليمين منقسمة أيضا إلى يمين منعقدة على برّ ، ويمين منعقدة على حنث ، فالمنعقدة على برّ ، هي التّي لا يلزم حالفها تحليل اليمين كقوله « واللّه لا أفعل كذا » ، والمنعقدة على حنث ، هي الّتي يلزم صاحبها حلّ اليمين بفعل ما حلف عليه ، أو بالكفّارة كقوله « واللّه لأفعلنّ كذا » ، ولا يحكم بحنثه في المنعقدة على حنث حتّى يفوت إمكان فعل ما حلف عليه ، إلّا إذا كانت موقّتة بوقت فيحنث بفواته ، ولكن إن كانت بطلاق كقوله على طلاقها « لأفعلنّ كذا » فإنّه يمنع من وطئها حتّى يفعل ما حلف عليه ، لأنه لا يدري أيبرّ في يمينه أم يحنث ؟ ولا يجوز الإقدام على فرج مشكوك فيه عند جماعة من العلماء منهم مالك وأصحابه . وقال بعض العلماء : لا يمنع من الوطء ، لأنّها زوجته ، والطلاق لم يقع بالفعل ، وممّن قال به أحمد . * * * المسألة الثانية : اعلم أن اليمين لا تنعقد إلّا بأسماء اللّه وصفاته ، فلا يجوز القسم بمخلوق لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من كان حالفا فليحلف باللّه ، أو